فخر الدين الرازي

611

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة القلم ( 68 ) : آية 34 ] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 34 ) عِنْدَ رَبِّهِمْ أي في الآخرة جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي جنات ليس لهم فيه إلا التنعم الخالص لا يشوبه ما ينغصه ، كما يشوب جنات الدنيا ، قال مقاتل : لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين : إن اللّه تعالى فضلنا عليكم في الدنيا ، فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة ، فإن لم يحصل التفضيل ، فلا أقل من المساواة . ثم إن اللَّه تعالى أجاب عن هذا الكلام بقوله : [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 35 إلى 36 ] أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 36 ) ومعنى الكلام أن التسوية بين المطيع والعاصي غير جائزة ، وفي الآية مسائل . المسألة الأولى : قال القاضي : فيه دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم كالمتنافي ، فالفاسق لما كان مجرما وجب أن لا يكون مسلما والجواب : أنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلا للمجرم ، ولا شك أنه ليس المراد إنكار المماثلة في جميع الأمور ، فإنهما يتماثلان في الجوهرية والجسمية والحدوث والحيوانية ، وغيرها من الأمور الكثيرة ، بل المراد إنكار استوائهما في الإسلام والجرم ، أو في آثار هذين الأمرين ، أو المراد إنكار أن يكون أثر إسلام المسلم مساويا لأثر جرم المجرم عند اللّه ، وهذا مسلم لا نزاع فيه ، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع أن يجتمع فيه كونه مسلما ومجرما ؟ . المسألة الثانية : قال الجبائي : دلت الآية على أن المجرم لا يكون البتة في الجنة ، لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما ، ولو حصلا في الجنة ، لحصلت التسوية بينهما في الثواب ، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب المسلم إذا كان المجرم أطول عمرا من المسلم ، وكانت طاعاته غير محبطة الجواب : هذا ضعيف لأنا بينا أن الآية لا تمنع من حصول التسوية في شيء أصلا بل تمنع من حصول التسوية في درجة الثواب ، ولعلهما يستويان فيه بل يكون ثواب المسلم الذي لم يعص أكثر من ثواب من عصى ، على أنا نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى اللّه عنهم هذه الواقعة وذلك لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور في اللغة والعرف . المسألة الثالثة : أن اللّه تعالى استنكر التسوية بين المسلمين والمجرمين في الثواب ، فدل هذا على أنه يقبح عقلا ما يحكى عن أهل السنة أنه يجوز أن يدخل الكفار في الجنة والمطيعين في النار والجواب : أنه تعالى استنكر ذلك بحكم الفضل والإحسان ، لا أن ذلك بسبب أن أحدا يستحق عليه شيئا . واعلم أنه تعالى لما قال على سبيل الاستبعاد : أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ قرر هذا الاستبعاد بأن قال على طريقة الالتفات : ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هذا الحكم المعوج ثم قال : [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 37 إلى 38 ] أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ( 37 ) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ( 38 )